ابن قيم الجوزية

115

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

تعالى بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) [ البروج ] . وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أنّ كلّ كائن إلى يوم القيامة ، فهو مكتوب في أم الكتاب ، وقد دلّ القرآن على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله ، وما يقوله ، فكتب في اللوح أفعاله وكلامه ، فتبّت يدا أبي لهب ، في اللوح المحفوظ ، قبل وجود أبي لهب . وقوله : « لدينا » يجوز فيه أن تكون من صلة أم الكتاب ، أي : أنه في الكتاب الذي عندنا ، وهذا اختيار ابن عباس ، ويجوز أن يكون من صلة الخبر « إنه عليّ حكيم » عندنا ليس هو كما عند المكذبين به ، أي : وإن كذبتم به ، وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف والإحكام . وقال تعالى فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ ( 37 ) [ الأعراف ] قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطية : أي ما سبق لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة ، ثم قرأ عطية فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ( 30 ) [ الأعراف ] والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة ، وهذا قول ابن عباس ، في رواية عطاء قال : يريد ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ ، فالكتاب على هذا القول : الكتاب الأول ، ونصيبهم ما كتب لهم من الشقاوة وأسبابها . وقال ابن زيد والقرطبي والربيع بن أنس ، ينالهم ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال ، فإذا فني نصيبهم ، واستكملوه ، جاءتهم رسلنا يتوفونهم . ورجّح بعضهم هذا القول لمكان حتى التي هي للغاية ، يعني أنهم يستوفون أرزاقهم وأعمارهم إلى الموت . ولمن نصر القول الأول أن يقول : حتى في هذا الموضع ، هي التي تدخل على الجمل ، ويتصرف الكلام فيها إلى الابتداء كما في قوله : فيا عجبا حتى كليب تسبّني .